معنى (أهل القبلة) في الأحاديث النبويّة والرد على من جعل الرافضة منهم

الحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله،
أما بعد،

فهذا إيضاح لمعنى (أهل القبلة) من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال علماء الإسلام والرد على من جعل الباطنية الزنادقة من رافضة وإسماعيلية من أهل القبلة بحيث لا يَكفُرون،
وكفر هؤلاء الزنادقة اقتضاء النص والإجماع المنقول…

• أوّلا: *من أقوال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم*
فقد أخذت هذه العبارة من الحديث الصحيح كما جاء في صحيح البخاري -رحمه الله- قوله صلى الله عليه وسلم :
“من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته.”
يُبيّن هذا الحديث ويشرحه ما أخرجه البخاري -رحمه الله- في صحيحه  عقب الحديث السابق وهو قوله صلى الله عليه وسلم:
“أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله.”

ثانيا : *من كلام علماء الإسلام*
ومنهم  شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث قال :
“قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دلّ عليه الكتاب والسنة أنهم لا يُكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ولا يُخرجونه من الإسلام بعمل، إذا كان فعلاً منهياً عنه؛ مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر، ما لم يتضمن ترك الإيمان، وأما إن تضمن ترك ما أمر الله به من الإيمان؛ مثل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت؛ فإنه يكفر به” اهـ. (مجموع الفتاوى، ٢٠ / ٩٠)

الثالث : *كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله* في شرحه لهذا الحديث  حيث قال :
“فيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك.” اهـ. (فتح الباري (١ / ٥٩٢))

*الرابع : قول العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله* في  كتابه (إجماع أهل السنة النبوية على تكفير المعطله الجهمية صفحة ١٥٧) وفيه يرد على من رأى عدم تكفير أهل القبلة على جهة الاطلاق:
“وأما ما ذكرته من استدلال المخالف بقوله صلى الله عليه وسلم “من صلَّى صلاتنا..” وأشباه هذه الأحاديث، فهذا استدلال جاهل بنصوص الكتاب والسنة، لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فإن هذا فرضه ومحلّه في أهل الأهواء من هذه الأمة ومن لا تخرجه بدعته من الإسلام؛ كالخوارج ونحوهم، فهؤلاء لا يكفرون؛ لأن أصل الإيمان الثابت لا يحكم بزواله إلا بحصول مناف لحقيقته، مناقض لأصله، والعمدة استصحاب الأصل وجوداً وعدماً، لكنهم يُبَدّعون، ويضللون، ويجب هجرهم، وتضليلهم، والتحذير عن مجالستهم ومجامعتهم، كما هو طريقة السلف في هذا الصنف. 
وأما الجهمية وعباد القبور فلا يستدل بمثل هذه النصوص على عدم تكفيرهم إلا من لم يعرف حقيقة الإسلام.”

*الخامس : كلام العلامة محمد بن علي فركوس الجزائري حفظه الله*
في فتواه رقم (٢٦٠) في حكم الفِرَق الضالَّة مِنْ أهل القِبْلة
السؤال:
هل الفِرَقُ الضالَّةُ كُلُّها تُخلَّدُ في النارِ أم أنها تُعذَّب ثمَّ تدخل الجنَّةَ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فالفِرَقُ الضالَّةُ إمَّا أَنْ لا يُخْرِجها ضلالُها مِنْ حظيرةِ الإسلام وتكون مِنْ عمومِ أُمَّة الهداية، فهؤلاء إِنْ ماتوا على فِسْقِهِمْ فَيَرِدُونَ النارَ ولا يخلدون فيها، بل يخرجون منها بشفاعةِ الشافعين وبرحمةِ ربِّ العالَمِين إِنْ كان في قلوبهم ذرَّةٌ مِنْ إيمانٍ كما ورَدَتْ به الأحاديثُ الصحيحة، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثِ الفِرَق: «أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيِنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ المِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ وَهِيَ الجَمَاعَةُ»(١)؛ فَفِرَقُ أهلِ القِبْلةِ الخارجةُ عن أهلِ السُّنَّةِ متوعَّدون بالهَلَاك والنار، وحُكْمُهم حُكْمُ عامَّةِ أهلِ الوعيد إلَّا مَنْ كان منهم كافرًا في الباطن.
أمَّا إذا كان ضلالُهَا أخرجها ـ بعد قيامِ الحُجَّةِ عليها ـ مِنْ دائرةِ الإسلام وارتدَّتْ عنه؛ فهؤلاء تُجْرَى عليهم أحكامُ أهلِ الكفر، وحُكْمُهم حكمُ المرتدِّين، ولا يدخلون تحت المشيئةِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨﴾ [النساء]، وغيرِها مِنَ الآيات التي نَزَلَتْ تتوعَّد الكُفَّارَ بالخلود في النار.
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٠٨ جمادى الثانية ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ١٤ جويلية ٢٠٠٥م
(١) أخرجه أبو داود في «السنَّة» بابُ شرحِ السنَّة (٤٥٩٧)، وأحمد في «مسنده» (١٦٩٣٧)، مِنْ حديثِ معاوية رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٤٠٤) رقم: (٢٠٤).

*السادس : العلامة صالح الفوزان حفظه الله* كما في (سلسلة شرح الرسائل صفحة ٢١٣-٢١٥) حيث قال:
“الآن لما فشا الجهل واشتدت غربة الدين، ظهر ناس من الذين يتسمون بالعلم، ويقولون  لا تكفِّروا الناس، يكفي اسم الإسلام، يكفي أنه يقول: أنا مسلم، ولو فعل ما فعل، لو ذبح لغير الله، لو سب الله ورسوله، لو فعل ما فعل، ما دام أنه يقول: أنا مسلم فلا تكفره وعلى هذا يدخل في التسمي بالإسلام الباطنية والقرامطة، ويدخل فيه القبوريون، ويدخل فيه الروافض، ويدخل فيه القاديانية، ويدخل فيه كل من يدعي الإسلام، يقولون: لا تكفروا أحداً، ولو فعل ما فعل، أو اعتقد ما اعتقد، لا تفرقوا بين المسلمين. سبحان الله!
نحن لا نفرق بين المسلمين، ولكن هؤلاء ليسوا مسلمين؛ لأنهم لما ارتكبوا نواقض الإسلام خرجوا من الإسلام، فكلمة لا تفرقوا بين المسلمين، كلمة حق والمراد بها باطل، لأن الصحابة رضي الله عنهم لما ارتد من ارتد من العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قاتلوهم، ما قالوا لا تفرقوا بين المسلمين؛ لأنهم ليسوا مسلمين ما داموا على الردة، وهذا أشد من أنك تحكم لكافر بالإسلام، وسيأتيكم أن من الردة، من لم يكفر الكافر، أو شك في كفره، فهذه المسألة وهي من لم يكفِّر الكافر أو شك في كفره فهو كافر مثله، وهؤلاء يقولون لا تكفروا أحداً ولو فعل ما فعل، ما دام أنه يقول: لا إله إلا الله، أنتم واجهوا الملاحدة واتركوا هؤلاء الذين يدعون الإسلام!! نقول لهم: هؤلاء أخطر من الملاحدة؛ لأن الملاحدة ما ادعوا الإسلام، ولا ادعوا أن الذي هم عليه إسلام، أما هؤلاء فيخدعون الناس ويدّعون أن الكفر هو الإسلام، فهؤلاء أشد من الملاحدة، فالردة أشد من الإلحاد -والعياذ بالله-، فيجب أن نعرف موقفنا من هذه الأمور ونميزها ونتبينها؛ لأننا الآن في تعمية، فهناك ناس يؤلفون ويكتبون وينتقدون ويحاضرون، ويقولون: لا تكفروا المسلمين، ونقول: نحن نكفر من خرج عن الإسلام، أما المسلم فلا يجوز تكفيره.” اهـ.

*السابع : العلامة الوزير معالي الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله* في كتابه (شرح الطحاوية) عند قول الطحاوي رحمه الله “وَنُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ.”اهـ.

قال نفع الله به:
“يريد الطحاوي رحمه الله أنَّ أهل السنة والجماعة يُسَمُونَ أهلَ القبلة وهم من تَوَجَّهَ في صلاته إلى الكعبة بيت الله الحرام، يُسَمُّونَهُم مسلمين مؤمنين؛ لأنّ هذا هو الأصل، فاستقبال القبلة دليل على تميُّزِ من استقبلها عن المشرك الوثني الأصلي؛ لأنه لا يستقبل القبلة يعني لا يُصَلِّي مثل مشركي قريش، وعن اليهودي والنصراني لأنهم يستقبلون جهة الشّرق، فالذي يستقبل الكعبة هذا يُسَمَّى مسلماً كما جاء في الأحاديث الصحيحة «من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا له ما لنا وعليه ما علينا» (١).
لكن هذا ليس وصفاً مانعاً من خُروجه من الدّين، لهذا اشترط له شرطاً فقال (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعْتَرِفِينَ) يعني لو أنْكَرُوا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أو شيئاً مما جاء به صلى الله عليه وسلم فإنهم لا يُسَمَونَ مسلمين مؤمنين، وقال (وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) يعني إذا كانوا لم ينكروا شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
ويريد بهذه الجملة أيضاً مخالفة الخوارج والمعتزلة ومن شابههم ممن يكفرون بالذنوب ويسلُبون عن صاحب الكبيرة والمعصية، يسلبون عنه اسم الإسلام أو اسم الإيمان.
وتحت هذه الجملة مسائل (١) البخاري (٣٩٣) انتهى كلامه.

*الخاتمة نسأل الله حسنها :*
لا خلاف بين المسلمين على كفر الرافضة وقد نقل عدم خلاف المسلمين في تكفير الرافضة ابن حزم الأندلسي رحمه الله في كتابه (الاحكام ١/ ٩٦) حيث قال :
وإنما خالف في ذلك قوم من غلاة الروافض وهم كفار بذلك مشركون عند جميع أهل الإسلام وليس كلامنا مع هؤلاء وإنما كلامنا مع أهل ملتنا.

وذكر  السمعاني رحمه الله في كتابه (الأنساب ٦/ ٣٤) مانصه :
“واجتمعت الأمة على تكفير الإمامية، لأنهم يعتقدون تضليل الصحابة وينكرون إجماعهم وينسبونهم إلى ما لا يليق بهم.”اهـ.

وقال  ابن كثير -رحمه الله- في (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٢) ناقلا الإجماع على كفر الرافضة:
“ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطيء على معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم ومضادته في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام، و كفر بإجماع الأئمة الأعلام وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام.” اهـ.

ولولا الإطالة وخشية السآمة لذكرنا المزيد من الأدلة النقلية والعقلية وأقوال علماء الإسلام على كفر هذه الفرق ومحل البسط موضع آخر وعلماء أهل السنة والجماعة اتباع السلف الصالح – على كثرة اسفارهم و تباعد امصارهم واختلاف اعصارهم -بينوا هذا الأمر وذكروه وشرحوه وقرروه جعلنا الله واياكم من انصارهم
والحق يقال :
ان  من أراد الحق يكفيه دليلٌ واحدٌ،
وأما من أراد الباطل فلو عُرضت عليه الأدلة كلها لم تفده.

رزقنا الله وإياكم العلم النافع والعمل الصالح وحسن الخاتمة آمين.

كتبه : غازي بن عوض العرماني