حكم السجود لعظماء الدنيا من ملوك وغيرهم

ما حكم السجود لعظماء الدنيا من ملوك وغيرهم ؟

نقول وبالله التوفيق:

يحرم السجود لغير الله على جهة التعظيم لهذا العبد المخلوق وهو جائز في شرع من قبلنا وثبت النص من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تحريمه في شريعة الإسلام  فروى ابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ :
“لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: (مَا هَذَا يَا مُعَاذُ ؟)
قَالَ : أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ).
صححه الألباني رحمه الله.
والقتب : ما يوضع حول سنام البعير تحت الراكب.

وروى أبو داود ، والحاكم  عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ:
“أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ (وهو الفارس الشجاع المقدم على القوم عندهم) فَقُلْتُ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : إِنِّي أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَكَ، فقَالَ : (لَا تَفْعَلُوا، لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ، لَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ حَقٍّ).
صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في “صحيح أبي داود”.

وروى ابن حبان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :
“أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم دخل حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ الأَنْصَارِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَلانِ يَضْرِبَانِ وَيَرْعَدَانِ فَاقْتَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمَا، فَوَضَعَا جِرَانَهُمَا بِالأَرْضِ، فَقَالَ مَنْ مَعَهُ : سَجَدَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ حَقِّهِ) حسنه الألباني في “الإرواء”.

فبين لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن السجود لا يكون إلا لله، وأن تعظيم المخلوق لا يكون بالسجود له.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله :
“أمَّا الْخُضُوعُ وَالْقُنُوتُ بِالْقُلُوبِ، وَالِاعْتِرَافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ : فَهَذَا لَا يَكُونُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَهُ، وَهُوَ فِي غَيْرِهِ مُمْتَنِعٌ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا السُّجُودُ : فَشَرِيعَةٌ مِنْ الشَّرَائِعِ؛ إذْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَسْجُدَ لَهُ، وَلَوْ أَمَرَنَا أَنْ نَسْجُدَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ غَيْرِهِ : لَسَجَدْنَا لِذَلِكَ الْغَيْرِ، طَاعَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إذْ أَحَبَّ أَنْ نُعَظِّمَ مَنْ سَجَدْنَا لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ لَمْ يَجِبْ أَلْبَتَّةَ فِعْلُهُ.
فَسُجُودُ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ : عِبَادَةٌ لِلَّهِ، وَطَاعَةٌ لَهُ وَقُرْبَةٌ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَيْهِ، وَهُوَ لِآدَمَ تَشْرِيفٌ
وَتَكْرِيمٌ وَتَعْظِيمٌ.
وَسُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ : تَحِيَّةٌ وَسَلَامٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ يُوسُفَ لَوْ سَجَدَ لِأَبَوَيْهِ تَحِيَّةً، لَمْ يُكْرَهْ لَهُ.”. انتهى كلامه رحمه الله من “مجموع الفتاوى”

وقد سُئل مفتي المملكة العربية السعودية العلامة ابن باز رحمه الله هذا السؤال ونصه :

السجود والذبح لغير الله، إذا كان عن جهل، أو كذا هل في فرق بين الجهل والتعمد؟

هذه من الأمور التي لا تجهل، من عملها يكفر وعليه التوبة إذا كان صادقاً، عليه التوبة فمن تاب، تاب الله عليه، المشركون تابوا وتاب الله عليهم يوم الفتح، وهم معروف كفرهم وضلالهم، في مكة فلما فتح الله مكة، ودخلوا في دين الله قبل الله منهم.

أما سجود معاذ بن جبل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فهو متأول يحسب أنه جائز، وبيّن له النبي -صلى الله عليه وسلم- حرمة ذلك، بعدما استقرت الشريعة، علّمه أن السجود لله؛ لقوله سبحانه: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} وانتهى الأمر، كان معاذ جاهلاً فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن استقرت الشريعة، علّمه وعلّم الأمة أن السجود لله، كما قال سبحانه: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا}، ويقول تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،  لاَ شَرِيكَ لَهُ}، فالذي بُيِّن للمسلمين أن من يسجد لغير الله يكون كافراً، وعليه التوبة.

وأما الملك فيدعى له بالهداية والصلاح ويناصح سرا من أهل العلم؛
وأما الإنكار عليه علانية فهذا نهج  الخوارج وليس من هدي السلف الصالح.
والله أعلم.

كتبه غازي بن عوض العرماني
السبت ١١ رجب ١٤٣٨