مَسـألة العُذر بِالجهل مِن عَدمه والرّد عَلى الحدَادِيه وبَيان جَهلِهم

بِسمِ اللّه الرَّحمنِ الرَّحيمِ

ان الحمدَ للّه ، نَحمدهُ ونَستعِينه ونَستغفِره ، ونَعوذُ بِاللّه مِن شُرور انَفسنا وسَيئات اعمالِنا مَن يَهده اللّه فَلا مُضل لَه ومَن يُضلل فَلا هادِي له واشهدُ ان لاَ اله إِلا اللّه وحدهُ لَا شَريك له واشهدُ ان مُحمّداً عبدهُ ورسولهُ .

هُنا مَسألة كَثُر الكَلام حَولها وكَثر النِقاش فِيها وهِي (مَسألة العُذر بِالجهل مِن عَدمه)وهَذا النِقاش اتَى مِن أهل التَشغِيب الحدَادِية وهِي مُسالتهم المّشهُورة المّعرُوفة وهُم كَما هُو مَعلوم عَنهُم لَايعذرون بِالجهل ويُبدعُون مَن قَالَ بِخلاف قَولِهم وهَذه المَسألة هَل الاصل فِيها هُو العُذر بِالجهل ام عَدمُه ؟

وهَذه المَسألة بِهذا اللَفظ والاستَفهام تَحتاج الى دَليل مِن الكِتاب والسّنة لان مَسائِل واصل ومَذهب اهل السّنة والجَماعة مُعتمد عَلى الادِلة مِن الكِتاب والسّنة وهَدي سَلفنا الصّالح .

فَلما كَان امر هَذهِ القاعِدة مُستنبَط ومَفهُوم مِن كَلام اللّه سُبحانه وتَعالى وسُنة رَسوله ومُتبع فِيه هدي سَلفنا الصّالح يَتضح بَعد النَظر فِي الادِلة وبَعد الرُجوع والاطِلَاع على اقوال عُلماء السّنة مَايلي :

«ادِلة جَاءت عَلى جِهة الاجمَال»

ان انزِال القُرآن الكَريم وبَعثة الرّسول هِي لِاقامة الحُجة عَلى الخَلق اجمعِين وهَذا دَليل عَام عَلى جِهة الاجمَال .

وأمّا «الادِلة التّي جَاءت عَلى جِهة الخُصوص» فَمنهَا:

القُرآن الكَريم فَقد دَلَ عَلى هذِه المَسألة فَمِن ذَلك :

أ)قَولهُ تَعالى [ومّا كُنا مُعذِبين حَتّى نَبعث رَسُولاَ] (الاسراء١٥).

ب)قَوله تَعالى [رُسلاً مُبشِرين ومُنذِرين لِئّلاَ يَكُون لِلنّاس عَلى اللّه حُجةً بَعد الرّسُل](النِساء٦٥).


ج)قَوله تَعالى [ومَن يُشاقِق الرَّسُولَ مِن َبعدِ مَا تَبينَ لَهُم الهُدى ويَتبع غَير سبِيل المُؤمِنين نُولِه َما تَولى ونُصلِه جَهنم وسَاءت مَصِيرا](النِساء١١٥).

د)قَولِه تَعالى [وَاوحِي إِليّ هَذا القُرءان لَانذر بِه ومَن بَلغ](الانَعام١٩).

هـ)وقَولِه تَعالى [إِنّ الَّذِينَ ارتدُوا عَلى أَدبَرِهِم مِن بَعدِ مَا تَبيَّن لَهُمُ الهُدَى الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُم وأَملَى لَهُم](مُحمّد٢٥).

و)قَولِه تَعالى [ومَّا كَانَ رَبُّك مُهلگ القُرى حَتّى يَبعَث فِيهم رَسُولاً فَيتلُوا عَليهُم اياتِنا](القَصَص٥٩).

ز)وقَولِه تَعالى [ومّا أرسَلنّا مِن رَسُول إِلاَ بِلسان قَومه لِيبَين لَهُم](إبراهِيم٤).

ومِنّ الـسّنـة :

فَعن ابِي هُريرةَ رضِيّ اللّه عَنه قَال : أَنّ النّبي قَال(والذّي نَفس مُحمّد بِيده لَا يَسمعُ بِي أحد مِن هَذِه الأُمة يَهُودي ولاَ نصرانِي ثُم يَموت ولَم يُؤمِنُوا بِالذّي ارسلتُ به إِلا كَان مِن اصحاب النّار).رَواهُ مُسلم فِي صحِيحه .

أمّا مِن العَقل :

فَكما هُو مَعلُوم أنه لاَيُوجد فَرق بَين الجَهل او الخَطأ والنِسيان او التأوُيل السّائغ فَكُل مَا سَبق عُذر شَرعي مَانع بِضوابطه ومِن ادَعى التَفريِق فَعليه الدَليل ولَا دليل مَعه .

وأمّا مِن أقوال عُلماء السّنة :

اولاً :
يَقُول شَيخ الاسلاَم ابنُ تيَمية رَحمهُ اللّه فِي المُجلد الثَالث مِن مُجموع الفَتاوى صَفحة رقم(٢٢٩) :
اني دَائماً ومِن جَالسنِي يَعلم ذَلك حتّى مِن اعظم النّاس نَهياً مِن ان ينسب مُعين الى الكُفر وتَفسِيق ومَعصية إلا اذا عُلم انه قَد قامت عَليه الحَجة الرّسالِية التّي مَن خَالفها كَان كَافراً وفاسقاً اخرى وعاصياً اخرى.اهـ

ثانيًا :
ويَقول شَيخ الاسلاَم رحمهُ اللّه مُحمّد بنُ عبد الوَهاب فِي الدُرر السُنية فِي الاجوبة النجدِية (١/١٠٤) :
واذا كنا لَا نكفِر مَن عَبد الصنم الذّي عَلى قَبر عَبد القّادر والصَنم الذّي عَلى قَبر احمّد البدوُي وأمثاله مِن اجل جَهلهم وعَدم مَن ينبههم فَكيف نُكفر مَن لَم يًُشرك بِالله اذا لم يهاجر الينَا او لَم يُكفر ويَقاتل سَبحانك هَذا بُهتان عَظيم .اهـ

ثالثًا :
كَلام اللجَنة فَتاوى الدّائمة بِرئاسة الامّام ابنُ باز رَحمه اللّه وعبد الرّزاق عَفِيفي والغَديان رحِمهُم اللّه جميعًا :

جَاء سُؤال مُوجه لَها قَال فِيه السَائِل :

مَسألة العُذر بِالجهل وعَبادة القُبور او عَبادة الطاغُوت هل يُعذر صَاحبها بِالجهَل ؟

فَكان الجَواب :

عُبادة القُبور وعَبادة الطاغُوت شَرك بِاللّه المُكلف الذّي يَصدر مِنه ذَلك يَبين لَه الحُكم فإِن قَبل والا فهم مُشركون .انتهى بِتصرف فَتاوى اللَجنة الدّائمة المُجلد الاول صَفحة (٣٨٦_٣٨٧).

رَابعًا :
يَقول الشَيخ مُحمّد بنُ صَالح العُثيمين رَحمهُ اللّه :
وامّا العَذر بِالجهل فَهذا مُقتضَى عُموم النُصوص ولاَ يَستطِيع احد أن يأتِي بِالدليل يَدل عَلى ان الإنسَان لَا يِعذر بِالجهَل .[رِسالة الشَيخ العُثيمِين فِي العذر بِالجهَل]

وقَد يَقُول قَائِل ان الاصل عَدم العَذر بِالجهل وهَذا فِي حَال اذا ارتَكب عملهُ الشِركي والبِدعِي مُكابراً ُمعانِداً عَالماً غَير جاهل راضِياً غٍير مُكره استوفَى لِشروط التَكفِير وهِي :

اولًا :
دَلالة الكِتاب والسّنة عَلى ان هَذا العَمل مُكفراً .

ثَانياً :
انطِباق الحَكم عَلى الشَخص المُعين بَحيث تَتم شُروط التَكفِير فِي حَقه وتَنتفِي المّوانِع .

ومَوانع التَكفِير نَذكرها بِاختِصار :

اولًا :
الجَـهـل .

ثَانياً :
الإِاكراه وعَدم الرِضَى .

ثَالثاً :
ان يَغلق فِكره وقَصدهُ بِحيث لاَيدري مايَقول لِشدة فَرح اوحُزن او غَضب او خَوف .

رَابعاً :
ان يَكون لَه شَبهة تَأويل بِحيث يَظن انهُ عَلى حَق .

خَامساً :
المّرض ام اعتلَال عَقلهُ بِجنون او حَواسه بِصَمم .

[رِسالة لابن العُثيمين بِاختصَار وزِيادَة]

وهَذا الاصل انهُ لَا يَعذر بِجهله فَقد انتفَى َعنه الجَهل .

وقَد وجَدنا مِن ائِمة السّنة رَحِمهم اللّه مِن :

يَعذِر بِالجهل لَكن فِي صُور لَا يَعذِرون .

وَوجدنا منهُم مَن لَا يَعذر بِالجهل وفِي صُور مُستثنِاة يَعذر فِيها بِالجهل و الخِلاف بَين عُلماء السّنة فِي هَذه المُسألة خِلاف تَنوع لاَ اختلاَف تَصادم وتَضاد .

يَدل عَلى هَذا انهُ لاَيُوجد ثَمرة تَترتب عَلى هَذا الخِلاف .

يَتبين صِحة قَولِنا هَذا فِي مَسالتَين :

المّسألة الاولَى :
فِي مَسألة تَكفِير المُعين فَكلا الفَريقِين يَشترط اقامَة الحَجة وتَوفِر الشُروط والاسَباب وانِتفاء المّوانع .

وفِي المّسألة الثانِية :
فِي حكُم استِتابة المُرتَد فَيشترطُون كذلك اقامة الحُجة عَليه وَوتوفِرالشُروط ووجُود الاسبَاب وانتِفاء المّوانِع .

ولِذا فإَِن الحُجة تَقام مِن العَالم بِالكِتاب والسّنة ومّا اجمع عَليه المُسلِمون فِي الاحكَام الشَرعِية عَلى ان مَن تَرك امرا ثَبت الامر بِه او فَعلًا مُحرماً ثَبت تَحرِيمه والنّهي عَنه فَلابد مِن اقَامة الحُجة و بَيانها وفَهمُهَا وان يَكون بِلغة مَن يُراد اقامَة الحُجة عَليه لاِن هذا الصَنيع يَكون به قِيام الحُجة دل عَلى ذَلِك :

ان الرُسل كَانت تُبعث بِلسان قَومها ؛ فَلو اتَى رَجل مِن العَرب الى قَوم مِن العَجم يَدعوهُم وهُم لََا يعرفون لُغته وتَكلم مَعهُم ودَعاهُم الى الاسلاَم وحَالهم مَا ذكر فَهل يُقال اقَيمتَ الحُجة عَليهم مَع اختلَاف اللِسان ؟

فَمن قَال اقَيمت الحُجة عَليه فَهو جَاهل او مُكابر او مُجادل بِغير حَق.

والحدَاديِة فِي هَذه المّسألة جَعلوها الاصَل العَظيم الذّي بَنُوا عَليه مَذهبهُم وعَقدُوا عَليه الولَاء والبّراء وبَدعُوا مَن خَالفهُم وطَعنُوا فِي عُلماء السّنة واختبرُوا امةَ مُحمّد وخَالفُوا الكِتاب والّسنة وخَالفُوا عُلماء السّنة فِي طَريقة الاستدلَال وتَطبيقهَا التَطِبيق الصّحيح فَلم يَعمُلوا النُصوص بِشكل سَليم صَحيح ولم يَطبقوهَا التطبِيق السُني السّلفِي الشَرعي .
بَل عمّمُوا هَذهِ المّسألة واجمّلوا فِيها واطلقُوا الاحَكام الشَرعِية عَلى مَن خَالفهُم وهَذا عَين الجَهل .

«والجَاهل بالكفر»
نـَـوعَــان

فَالنوع الاول :
امّا كُافر اصلِي فَيجرى عَليه احكَام الكُفر ظَاهراً ويُمتحن فِي الاخَرة على الصّحيح مِن اقوال عُلماء السّنة لِحديث الاسود بنُ سَريع رضّي اللّه عَنه ان النّبي قَال : اربَعة يَحتجون يَوم القِيامه رَجل اصَم لَايسمَع ورَجل هَرِم ورَجل احمق ورَجل مَات فِي الفَترة امّا الاصّم فَيقُول ربّ جَاء الاسِلام وانّا مَا اسمَع شَيئا وامّا الاحَمق فَيقول ربّ جًاء الاسلَام والصُبيان يَحذفونِني بِالبعر وامّا الهَرِم فَيقول ربّ جَاء الاسَلام ومَّا اعقل وامَّا الذّي فِي الفَترة فَيقول ربّ ما اتانِي مِن رسُول ويَأخذ مَواثيِقهم لِيطعينه فَيرسل اليهِم رسولًا ان ادخُلوا النّار ، فَو الذّي نَفسِي بِيده لَودخلوهَا لَكانت عَليهم بَرداً وسلَاماً) .[ صَحيح الجَامع٨٨١]

والنَوع الثانِي :
امّا ان يَكون مُسلماً وعَاش عَلى فَعل الكفر وقَوله ولَم يَعلم انهُ مُخالف للاسلاَم فَهذا يَجري عَليه احكَام الاسلَام ظَاهراً .

«وحَال فَاعِل الكفر»

الحَالة الاولىّ :
امّا ان يَعيش فِي بِلاد يَسمع فِيها الدّعوة الى الاسلَام وغَيره ثُم لَايؤمن ولَايطلب الحّق مِن اهله فَهُو فِي حَكم مَن بلغته الدّعوة الاسلاَمِيه واصّر عَلى الكُفر .
[
فَتوى اللجّنة الدّائِمة رَقم ١١٠٤٣ بِرئاسة سَماحة الشَيخ ابنُ باز وعَضوية عَبدالرّزاق عَفيِفِي رَحِمهُما اللّه ] .

الحَالة الثانِية :
ان كَان مِمن لَايعرف الوُجوب كَحدِيث الاسلَام والنّاشئ بِغير دَار الاسلَام او بِاديه بَعيدة عَن الامصّار واهل العِلم لم يَحكم بِكفره ) .

[المّغني لِابن قُدامَه(٨/١٣١) ورِسالة الشَيخ العُثيمِين وعَنه انَقل]

ويَتضح مِمّا سَبق ان المُخالفِين لَهذا المّذهب الخَبيث مَذهب الحدَادِية
خَالفهم عُلماء السّنة ومَع عُلماء السّنة الادِلة مِن الكِتاب والسّنة والطَرِيقة الصّحِيحة الصّواب فِي فَهم النُصوص وتَطبِيقها التَطبيق الشّرعِي الصَحِيح وفَق الضّوابِط والشُروط .
ثَم تَطبِيق الحدَادِية لِهذه القَاعدة بِدُون ضَوابط وبُِدون اهتِداء بِهدي سَلفنا الصّالح عَلى امة مُحمّد سَواء عَلى عُلماء السّنة مِمَن خَالفهُم او على مَن ضَل واخطا مِمَن خَالف الكِتاب والسّنة فَلم يرحمُوه ولَم يَعذروه بِجهله ولَم يَتبعوا كَلام ربّ العالمِين وسُنة المُرسلِين فَصارت الخَوارج مِن اخَوان وقاعِدة ودَواعِش يَعيثون فِي الارض فَساداً واسَتحلالا للدِماء بِسبب فَتاوى عُلماء هَذا الفِكر الحدادِي الخِبيث
فَما ارخَص دِماء المُسلمِين فِي هَذه الازمِنة بِسبب هَذا الفِكر الحدادِي الدّاعِشي الاخوانِي الخارجِي الضّال.

واخِيرًا :
اوصِي اخوانِي طُلاَب العِلم طُلاَب الحّق مَن اراد اللّه واراد الدَار الاخِرة ان يَستفِيد مِن كَلام عُلماء السُنة ان يَرجع فِي هذهِ المّسألة الى اقَوال عُلماء السُنة الى فهمِهم ويتركُوا العَاطِفة والحَماس الاهوَج الذّي لَم ينضبِط بِضوابط الشَرع و عَليهم ان يَرجعوا فِي هذهِ المسألة الى اقَوال عُلماء السُنة وهُم :-

ابنُ تَيمية رَحِمهُ اللّه.
وتلميذه ابنُ القَيم رَحِمهُ اللّه.
والشّيخ مُحمّد بنُ عَبد الوهاب رَحِمهُ اللّه.
والشّيخ عَبد الرّحمن بنُ حَسن رَحِمهُ اللّه.
والشّيخ ابنُ باز رَحِمهُ اللّه.
والشّيخ الالبانِي رَحِمهُ اللّه.
والشّيخ مُحمّد بنُ صَالح العُثيمِين رَحِمهُ اللّه.
والشّيخ مُقبل بنُ هادِي الوادعِي رَحِمهُ اللّه.
والشّيخ مُحمّد بنُ امان الجامِي رَحِمهُ اللّه.
والشّيخ رَبيع المُدخلِي حَفِظهُ اللّه.
والشّيخ عُبيد الجابِري حَفِظهُ اللّه.
والشّيخ صَالح الفوزَان حَفِظهُ اللّه.
والشّيخ صَالح اللحِيدان حَفِظهُ اللّه.

رحِم اللّه الاموات وحفِظ اللّه الاحياء وجمع كَلمة اهل السُنة والجَماعة اتبَاع السَلف الصّالح عَلى التَوحِيد والسّنة ونَصرتهما .
وفَقنا اللّه واياكُم الى مّا يُحبه ويَرضاه .

وصل اللّه وسَلم على نَبينا مُحمّد وعلى آله وصحبِه وسَلم تَسليماً .

كتبها
غَازِي بنُ عوض العِرماني
بِـــ(٢٠شوال ١٤٣٥.هــــــ)ـتاريخ