الذبّ عن عرض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين،
وبعد،

قرأت في مجلة “الوئام” كلاما للمدعو خالد الغنامي يقول فيه (لقد أخطأ ابن تيمية وهو كردي الأصل بحسب -هكذا- رأي الأغلبية الساحقة من الباحثين المستشرقين في أنه قرن بين المشركين والأعراب في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)، ثم أردف قائلا: (الفقهاء يستمدّون العنصرية ضدّ الأعراب من خطأ ابن تيمية)..
هذا بعض ماورد في ثنايا كلام المذكور في رده على منصور النقيدان -وحال هذا الأخير تعبان كحال الغنامي- لكن يُقحمون ابن تيميه رحمه الله تعالى في مسائل يبحثونها وهم ليسوا أهلا لها وليست من اختصاصهم ولا في مجال تخصصهم لجهلهم في علم الشرع وعلم اللغة وعلم الأنساب، ثم يتصدرون في الفتيا

ويتقدم هؤلاء الجهلة في مسائل الشرع ويصرحون أنّ مصادر التلقي عندهم كتب المستشرقين؛ وهؤلاء ينطبق عليهم الوصف المستحق لهم: “الرويبضة” وهو التافه يتكلم في أمر العامة.
وفق الله ولي أمرنا إلى منع هؤلاء الكتاب فإنّ منعهم ديانة وقربة.

وسنأتي إلى بيان جهل الكاتب “الغنامي” فيما نسب إلى ابن تيميه -رحمه الله- من أخطاء وزلات

وهذه الفواقر من الكاتب أتت في مسائل لا يُحسن معرفتها في الشرع واللغة والنسب.

فأما الشرع فإن ابن تيمية رحمه الله في كتابه النفيس (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) أتى في كلامه عن حرمة التشبّه بالأعراب بأدلة شرعية اقتضاء لمقاصد شرعية مستدلا لها بأدلة من الكتاب والسنة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تغلبنكم الأعراب فإنهم يسمون العشاء العتمة فسموها العشاء” بنحوه أو مثله وغير ذلك كثير وقد بسط الكلام فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) فأجاد وأفاد
وأتى كلامه دُررًا مستنيرا بالوحي ناصرا للتوحيد والسنة قامعا لأهل البدع والأهواء، لكن هذه النفائس التي بثها خفيتْ على العميان أمثال هذا الكاتب الجاهل…

وأما بيانُ جهله في اللغة فإن الأعراب لا تعني العرب لأنهم وصف يُطلق على ساكني البادية من عربٍ أو عجم.
فالنّسب للعرب عربي
والنسب إلى الأعراب أعرابي، فاختلف اللفظ والمعنى وهذا معلومٌ لمن عنده أدنى اطلاع في كتب اللغة العربية ومعاجمها؛ لكن ماذا نفعل بمن يتلقى عن المستشرقين منهجه وعقيدته ؟
حتى لغته ونسبه يرجع فيه إلى النصارى المستشرقين، ولو رجع هذا الكاتب إلى أصحاب الفطرة السليمة من الأعراب لبيّنوا له ماجهله من حقائق خافية أو تخفى عمدا من قبل مشايخه (المستشرقين).

وأما جهله في النسب
وذلك في كلامه عن نسب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله و إرجاع نسبه إلى الأكراد
وهذه لاتنقصُ منزلة الأكراد فهم شعب مسلم سنيّ عُرف بنصرة الإسلام و (لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب) فلهم معارك وحروب ضدّ أعداء الإسلام؛ فلهم وقعاتٌ في طرد النصارى الصليبيين من بلاد الإسلام.
من مشاهيرهم: السلطان نور الدين زنكي، والسلطان صلاح الدين الأيوبي، وإليهم تنسب دولة الأيوبيّين، وقد ذكر من كتب في تراجم الصحابة رضي الله عنهم كابن الاثير رحمه الله أنّ منهم جابان الكردي رضي الله عنه وذكر له صحبة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما ذكرناه عن هذا الشعب الطيب الأبي فهو غيض من فيض.
والنسّابون العرب اختلفوا في نسب الأكراد فمنهم من قال إنهم شعب كالعرب، ومنهم من قال إنهم من العرب، واختلف أصحاب هذا القول فمنهم من نسبهم إلى القبائل القحطانية وقد تفرقت ورحلت عن موطنها اليمن بعد سيل العرم، ومنهم من نسبهم إلى العدنانية..
وكل هذه الأمور روابط دنيوية ضعيفة المستمك إلا بتقوى من الله قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: “لا فضلَ لعربيّ على أعجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى”.
وأما دعوى الكاتب أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يطعن في العرب -كما تضمنتها رسالته- فغير صحيح وذلك أن نسب شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله من العرب ومن قبيلة بني نمير ويسكنون حران فكيف يطعن بنسبه ؟
وقد ذكر ابن ناصر الدين -وهو من تلامذة تلاميذه- في كتابه “التبيان” أنه من قبيلة بني نمير وهذا ما ذكره العدوي في كتابه “الزيارات”.
وقد ذكر الشيخ ابن عاصم رحمه الله وهو الجامع لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن نسبة ابن تيمية إلى قبيلة بني نمير بن عامر بن صعصعة وهذا مثبت في مقدمة عدد من النسخ المخطوطة في مكتبة الظاهرية في دمشق (مستفاد ما سبق من كتاب الجامع لسيرة ابن تيمية رحمه الله لعلي العمران ومن معه)؛ هذا نسبه.
وهل يظن ظان أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يطعن في العرب وهم أهله ونسبه وهو القائل فيهم كما في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم” (طبعة دار العاصمة ج1/ 419):
“فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة إعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم ورومهم وفرسهم وغيرهم وأن قريشا أفضل العرب وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق نفسا وأفضلهم نسبا.”

فعلى الكاتب أن يتق الله
وأن لا يتكلم إلا بعلم وأن يترك التصدر والمشيخة وهو جاهل، وأن يجالس علماء السنة والجماعة أتباع السلف الصالح وأن يأخذ عنهم ويترك ترهات وأباطيل النصارى واستخباراتهم الذين يطلق عليهم (المستشرقون)، وأن يترك الطعن في علماء السنة فمن المأثور :
من علامات أهل البدع الوقيعة في أهل الاثر.
والله أعلم.

كتبه وأملاه الفقير إلى عفو مولاه،
ذبّا عن عرض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
غازي بن عوض العرماني.
الأحد ٢٥ ذو الحجة ١٤٣٧