تعليق وشرح ل “تضييع الحق بفوت الأدب”

قال الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله:

“وينبغي إذا دارت المباحثة بين الكتّاب أن تكون في دائرة الموضوع، وفي حدودِ الأدب، وبروح الإنصاف، وخيرٌ أن تقيم الدليلَ على ضلالِ خصمك، أو على غلطه، أو على جهله، من أن تقول له: يا ضال، أو يا جاهل، أو يا غالط، فبالأول تحجّه فيعترف لك، أو يكفيك اعتراف قرائك، وبالثاني تهيِّجه فيعاند، ويضيعُ ما قد يكون معك من حقٍ بما فاتك معه من أدبٍ”.(١)

أقولُ تعليقاً على (تضييع الحق بفوت الأدب) من كلام ابن باديس الجزائري رحمه الله :

“وينبغي إذا دارت المباحثة (في أيّ مسألة علمية لبيان وجه الحق فيها)
بين الكتّاب (أي من أرادوا بحث المسألة كتابيا أو شفهيا من علماء أو طلاب علم)
أن تكون في دائرة الموضوع (أي يحرر محل النزاع في المسألة بحيث لايترك من جرت المباحثة من أجله وفيه إلى مسائل أخرى البحث فيها لايفيد في صلب موضوع المسألة المراد بحثها أو مسائلها ليست ذات الأهمية، بحيث يجري إقحامها في المباحثة لما في ذلك من التطويل المخالف لمعرفة الحق، ولما فيها من تمييع المسألة وتذويبها تحت تفريعات أخرى لا تمتّ لها بصلة، وهذا رأيته في الحداديّة)،
وفي حدودِ الأدب (لأن هذا أدعى للقبول، وفيه إدامة لحسن الخلق والذين يتوصّل بهما إلى معرفة الحق بين المتباحثين)،
وبروح الإنصاف (أي تحرّي العدل والصّدق في إيراد المسألة وبيانها ويشمل هذا نيّة معرفة الحق وإن كان مع الخصم، فليس المراد انتصارك على خصمك، وإنما المراد معرفة الحق بالدليل)،
وخيرٌ أن تقيم الدليلَ (من كتاب أو سنة أو إجماع أو قول صاحبٍ أو دليل من العقل أو العرف أو الفطرة أو أيّ دليل يكون فيه بيان وجه الحق أو دفع الظلم)،
على ضلالِ خصمك (إذا كان مبتدعا أو كافرا)،
أو على غلطه (إذا كان منتسبا إلى السنة أتباع السلف الصالح)،
أو على جهله (إذا كان طالبَ علم مبتدئ أو من العوام الجهلة)،
من أن تقول له: يا ضال، أو يا جاهل، أو يا غالط (وهذا لا يصح قوله إبتداء ويجوز بعد بذل الجهد واستفراغهِ في بيان وجه الحق واطلاعك يقينا على ضلال خصمك، وإطلاقُ هذه الأوصاف لأهل العلم)،
فبالأول (أي بما ذكر من أدلة أنواع الأدلة)،
تحجّه (إما باطنا فيقرّ بالحق، أو ظاهرا ف..) يعترف لك،
أو يكفيك اعتراف قرائك (لكشفك لضلاله وبُعدهِ عن الحق لئلا يُتبَع في خطئه)،
وبالثاني (أي إطلاقُ الأوصاف المضللة بغير قيد أو شرط  سببٌ ل..) تهيِّجه فيعاند (لهذا وُصف صفوة الخلق ب{خلق عظيم} و {ولوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}،
ويضيعُ ما قد يكون معك من حقٍ بما فاتك معه من أدبٍ (بسبب جهله وقلة حلمك.) (٢)

قاله وكتبه:
غازي بن عوض العرماني،
الإربعاء ٢٢ شوال ١٤٣٧

(١) عبد الحميد بن باديس الجزائري رحمه الله “مجلة الشهاب” (4/244)

(٢) مابين الأقواس تعليقنا على كلمة الشيخ نفعنا الله بها ورحمه الله.