موقف طالب العلم من المجروح، وما ينبغي عند الإختلاف

بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
صلى الله عليه وعلى آله وسلم،
أمّا بعد،

فهذه نصيحة في كيفيّة تصرّف طالب العلم وموقفه الصحيح من المجروح،
والإهتمام بالضوابط والقواعد العلمية المنهجية وما ينبغي عند الإختلاف على طالب العلم السلفي.

للشيخ غازي العرماني حفظه الله

رابط الصوتيّةالمُباشر:

١٤ شعبان ١٤٣٧

Advertisements

مسائل في القضاء والقدر

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد،

من مسائل القضاء والقدر، ثبت في السنة :

“أنّ الدعاء ينفعُ مما نزل ومما لم ينزل وأن البلاء ينزل فيتلقاه الدّعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة”
والحديث الآخر الثابت وفيه: “لايرد القدر إلا الدعاء”
فهذا نصّ صحيح صريح أن الدعاء جعله الله سببا صالحا نافعا في رد القدر  كما أنه “لايزيد في العمر إلا البرّ”،
فهذه زيادة حقيقية ثابتة بالوحي نمرّها كما جاءت فلا نقول في الصحف التي في أيدي الملائكة، أو زيادة في البركة
بل هي زيادة حقيقية كما للدعاء أثر في تغيير القدر وكان بعض السلف رضي الله عنهم يقول: “اللهم إن كان مكتوبا عندك أنني من أهل الشقاوة فامحها واجعلني من أهل السعادة” بنحوه…

فكل شئ بيد الله {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}،
و إتمامًا للفائدة نسوق إليكم كلام المفسر السني السلفي العماد ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى في سفره المبارك تفسير القرآن حيث قال رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية:

“وقوله: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ} اختلف المفسرون في ذلك، فقال الثوري، ووكيع، وهشيم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت.
وفي رواية: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ} قال: كل شيء إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما.

وقال مجاهد: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ} إلا الحياة والموت، والشقاء والسّعادة، فإنهما لا يتغيران.

وقال منصور: سألت مجاهدا فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم، إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم واجعله في السعداء. فقال: حسن.
ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك، فقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 3، 4]
قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابت لا يغير.

وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: “اللهم، إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه، واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.” رواه ابن جرير.

وقال ابن جرير أيضا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي؛ أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: “اللهم، إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.”

وقال حماد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عن ابن مسعود أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا.
ورواه شريك، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود، بمثله.

وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا خصاف، عن أبي حمزة، عن إبراهيم؛ أن كعبا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة.
قال: وما هي ؟
قال : قول الله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}.
ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد:
حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البرّ.”
ورواه النسائي وابن ماجه، من حديث سفيان الثوري، به.

وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر وفي الحديث الآخر: “إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض.”

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت -والدفتان لوحان- لله، عز وجل [كل يوم ثلاثمائة] وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.

وقال الليث بن سعد، عن زياد بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“[إن الله] يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غير ، فيمحو ما يشاء ويثبت.” وذكر تمام الحديث. رواه ابن جرير.
وقال الكلبي: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه.
فقيل له: من حدثك بهذا ؟ فقال: أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية فقال : يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت، دخلت وخرجت ونحوه من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب، وعليه العقاب.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: “الكتاب كتابان: فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.”
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله، وهو الذي يثبت.
وروي عن سعيد بن جبير: أنها بمعنى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} [البقرة284].

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، {وعنده أم الكتاب} يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت كل ذلك في كتاب.

وقال قتادة في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} كقوله {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة 106]،
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قال : قالت كفار قريش حين أنزلت : {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر…
فأنزلت هذه الآية تخويفا، ووعيدا لهم: إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم، وما نعطيهم، وما نقسم لهم.

وقال الحسن البصري: {يمحو الله ما يشاء} قال: من جاء أجله، فذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله.

وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، رحمه الله.
وقوله : {وعنده أم الكتاب} قال: الحلال والحرام.

وقال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله.
وقال الضحاك : {وعنده أم الكتاب} قال: كتاب عند رب العالمين.
وقال سنيد بن داود، حدثني معتمر، عن أبيه، عن سيار، عن ابن عباس، أنه سأل كعبا عن “أم الكتاب”، فقال: علم الله، ما هو خالق، وما خلقه عاملون، ثم قال لعلمه : “كن كتابا”. فكانا كتابا.
وقال ابن جرير، عن ابن عباس: {وعنده أم الكتاب} قال: الذكر، [والله أعلم]”. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهذه المسألة من مسائل القضاء والقدر وفي السنة الغراء من قوله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا ذكر اصحابي فامسكوا وإذا ذكر القدر فامسكوا.”

ولم نتكلم إلا بما ثبت في الوحيين فلا سبيل لمعرفة مثل هذا الأمر إلا بالرجوع إليهما، فوجدنا ذلك ثابت في الكتاب والسنة وهدي سلفنا الصالح بمن فيهم الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.

وكتبه:
غازي بن عوض العرماني
١٤ شعبان ١٤٣٧