رفع الاشكال عن مصطلح “شرط صحة و شرط كمال” ودفع شبه الحدادية الجهال

بسم الله الرحمن الرحيم

نقل أحدُ طلابِ العلم ما يلي:

قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح:

“فالسّلف قالوا : هو -أي الإيمان- اعتقادٌ بالقلب ونطقٌ باللّسان وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك أنّ الأعمال شرط في كماله…
والمعتزلة قالوا: هو العمل والنّطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السّلف أنّهم جعلوا الأعمال شرطاً في صحّته والسّلف جعلوها شرطاً في كماله.”
وأقرّه على ذلك علماء عصره ومن تبعهم.

وقد أوضح هذا الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- كما في معارج القبول (2/31)، بعد أن أورد أقوال المعتزلة قائلاً:
“والفرق بين هذا وبين قول السلف الصالح أن السلف لم يجعلوا كل الأعمال شرطاً في الصحة بل جعلوا كثيراً منها شرطاً في الكمال، كما قال عمر بن عبد العزيز فيها من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان والمعتزلة جعلوها كلها شرطاً في الصحة والله أعلم.”

ويقول الشيخ ابن باز في مجلة الفرقان (ع94) عندما سُئل: أَعْمَالُ الجَوَارِحِ ؛ هَلْ هِيَ شَرْطُ كَمَالٍ، أَمْ شَرْطُ صِحَّةِ في الإِيْمَانِ؟!

فقال: “أَعْمَالُ الجَوَارِحِ -كَالصَّوْمِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالزَّكَاةِ- هِيَ مِنْ كَمَالِ الإِيْمَانِ، وَتَرْكُهَا ضَعْفٌ فِي الإِيْمَانِ. أَمَّا الصَّلاَةُ ؛ فَالصَّوَابُ: أَنَّ تَرْكَهَا كُفْرٌ؛ فَالإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَأْتِي بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ كَمَالِ الإِيْمَانِ.” انتهى كلامه.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه للأربعين (حديث 34):
“إذا دلّ الدليل على أن هذا العمل يخرج به الإنسان من الإسلام صار شرطاً لصحة الإيمان، وإذا دلّ دليل على أنه لا يخرج صار شرطاً لكمال الإيمان وانتهى الموضوع.”

١. القول بأن العمل “شرط” هذا لا يخرجه من مسمى الإيمان،
٢. شرط صحة أو شرط كمال لأن بعض العلماء يرون كفر تارك الصلاة والبعض لا،
٣. الترك الكلي لعمل الجوارح قد يكفر صاحبه أو لا على حسب علم القلب وعمله،
٤. تخطئة بعض العلماء للمقولة وذلك سدّا للذريعة لأن البعض يتأولها على هواه.

قال أحد المشايخ السلفيين تعقيبا على رسالة طالب العلم السابقة مايلي :

قلتُ: هذه المسألة من المسائل المشتبهة على كثير من الناس، وتحتاج من البسط ما لم يسبق إليه إلى يومنا هذا، وكل من كتب فيها لم يستظهر الحقّ استظهارا يجبُ به رفع ما وقع في المسألة من لغط وغلط.

وقد جرى منا إيضاحٌ بناءً على كلام سلفنا الصالح بمن فيهم مشايخنا ابن باز والعثيمين رحمهما الله تعالى.) انتهى كلامه…

ثم جرى من قبلنا تحرير هذه الرسالة إتماما للفائدة:

“من كلام شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- يتضح، بل ويرفع الإشكال عن معنى العبارتين: (شرط صحة وشرط كمال)، وبالمثال يتضح لإخواني طلاب العلم المقال…
كما تعلمون أن علماء الإسلام لهم خمسة أقوالٍ في تكفير من ترك الصلاة تهاونا وكسلا، وهم أئمة السلف؛ ولهم أدلة من الكتاب والسنة، مع اتفاقهم على تكفير من جحد وجوبها.

فمن هذا الأقوال الخمسة قولٌ يرى كفر تارك الصلاة تهاونا وكسلا، فبناء على هذا القول يكون تركها (شرط صحة) على عدم إيمانه، وعلى كفر تاركها تهاونا وكسلا.

ومن رأى عدم كفره فتركها يدلّ على عدم كمال إيمان من تركها لافتقاده (شرط كمال) الإيمان.

مع ملاحظة أمور منها:

أولا:
عبارة (شرط صحة) يختلف معناها عند أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح، وهم أهل الإسلام الصحيح، وكذا يختلف من حيث التطبيق بخلاف الخوارج ومن سار على نهجها من إباضية وإخوانية وماتولد منها من دواعش وقاعدة وحدادية..
فأهلُ السنة والجماعة: يرون كفرهُ بما ظهر لهم من أدلة مع تطبيقهم للفهم السلفي الصحيح بالتفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين.
إذ يشترطون انتفاءَ الموانع ووجود الأسباب وانطباق الشروط…

بخلاف الخوارج، فهم يكفرون بالهوى ويعتقدون ثم يلوُون أعناق النصوص خدمة لهواهم، ف”يعتقدون ثم يستدلون”، وأهل السنة “يستدلون ثم يعتقدون”.
كما أنهم لا يُفرقون بين مطلق ومعين؛ ويكفّرون بكل ذنب ولو لم يأت نص شرعي يُكفره.

ثانيا:
عبارة (شرط كمال)
عند من قال بها من أهل السنة والجماعة واستفادة ممّا ذكرهُ شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- يختلفُ عن معناهُ عند المرجئة؛ فأهل السنة:
يرونَ أنه علامة على كمال الإيمان، مع تأكيدهم على وجوبه وأهميته، ويرون قتل من تركهُ حدّا وقتالهِ. ولهم سلف في ذلك، فخليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبوبكر الصديق رضي الله عنه قال: “لو تركوا عقال بعيرٍ كانوا يُؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه..”
ويرون تطبيق الحدود الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة شعائر الإسلام، ولهم في قولهم هذا دليل من السنة؛ بخلاف المرجئة -على إختلاف دركاتهم- فهم لايرون أهمية العمل في الإيمان، بل ولايرفعون بذلك رأسا!
وأدّى بهم رأيهم الفاسد إلى التهاون بالشرع وترك شعائر الإسلام الظاهرة كالصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد.. مع دعواهم بكمال إيمانهم وكفر من قال بغير قولهم. فجمعوا النقيضين: ترك أعمال الإسلام الظاهرة وشعائره، وتكفيرهم لغيرهم واستحلالهم للدماء. لهذا قال أئمة السلف بمن فيهم ابن المبارك رحمه الله عنهم: “لست مرجئا أرى السيف.”
فالمُشاهد للإخوانية الخوارج في هذا العصر وأفراخها (داعش والقاعدة والسرورية والحدادية)، يُرى -بضم الياء- في بدايتهم:
شدّة الخوارج، وفي مآل أمرهم وآخره: مُرجئة في عهدهم المكي المزعوم مع بقاء (جرثومة استحلال الدماء سارية في دمائهم في كلا الحالتين)

ومن أراد السلامة والعافية فعليه بلزوم العبارات الشرعية وعدم تجاوزها إلى غيرها.
انظر كلام الرسول صلى الله عليه وسلم:
“الإيمانُ بضعٌ و سبعون شعبة..” فذكر في هذا الحديث عن الإيمان واشتمالهِ على:

أ- العقيدة: (وهي كلمة التوحيد والحياء)،
ب- العمل: (إماطة الأذى)،
ج- القول: (كلمة التوحيد).
ثم في مثل الألفاظ الحادثة يُستفصل عن معناها فإن كان حقا قبلَ، وإن كان خلافه رُدّ، ولاشك أن علماءنا أرادوا به المعنى الصحيح الموافق لأدلة الكتاب والسنة وما درج عليه سلفنا الصالح من الإتباع وكراهة الإبتداع.

ذكرتُ هذا الكلام مُستأنسا ومُستضيئا بكلام شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، وفي كلامه السابق يتضح لطلاب العلم سَعة علم -هذا الشيخ رحمه الله- بالحق ورحمته للخلق، بخلاف الخوارج الحدادية فهم لايعرفون الحق ولا يرحمون الخلق.

أسأل الله التوفيق والسداد لأهل السنة وأن يرفع الله عنا الشقاق والنزاع، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير.”
انتهى كلامنا

وكتبه غازي العرماني
٧ جمادى الأول ١٤٣٧