تحريم حلّ السّحر بِسحرٍ مثلهِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف اﻷنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما،

وبعد،

تطرق  أحد الإخوة طلاب العلم إلى مسألة (حل السحر بسحر مثله)
ونسب حل وإباحة هذه المسألة إلى الشيخ عبد المحسن العبيكان وهذا اﻷمر ثابت عنه ﻻ شك وهي قول في مذهب الحنابلة قيّدوه بالضرورة.

و بما أن هذه المسألة أوردت في هذه المجموعة وهذه مجموعة طلاب علم، فطالب العلم الذي يريد الله والدار الاخرة يقف عند نصوص الشرع ولا يتعداها  ويرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وماعليه سلفنا الصالح سواء في :

• المسائل العلمية المبحوثة
• أو في رد زﻻت أهل العلم إلى الكتاب والسنة

ومن خلال اطلاعه يتبين له ان قول هذا العالم  وافق الكتاب والسنة ام لا .

وفي مسألتنا  التي يراد بحثها وهي : (حكم حل السحر بسحر مثله)
يتبين لنا  اﻷمور التالية:

أولا :
حل السحر عن المسحور نوعان كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله حيث قال  النوع الاول :

حل سحر  بسحر مثله. وهذا الذي من عمل الشيطان فإن من عمل السحر يتقرب فيه الناشر والمنتشر بما يحب الشيطان فيبطل عمله عن المسحور

والنوع الثاني : بالنشرة الشرعية  بالرقية والتعوذات والدعوات واﻷدوية المباحة فهذا جائز بل مستحب وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن رحمه الله ﻻيحل السحر إﻻ ساحر فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن النشرة فقال هي من عمل الشيطان . (انتهى بتصرف)
هذا أمر.

هناك مسائل سنتطرق إليها في كلمتنا هذه إتماما للموضوع  فقد ورد عن قتادة عن سعيد بن المسيب رحمهما الله بسند حسن قوله : “النشرة ﻻ بأس بها.” قال قلت يعني قتادة رحمه الله : أحدث به عنك قال : نعم.

هذا قد يستدل به من قال بجواز حل سحر بسحر مثله.

واﻹجابة عن هذه الاثر بأمور منها :

أوﻻ :
حمل أهل العلم هذا القول لسعيد بن المسيب رحمه الله في حله بالطرق الشرعية وبما ﻻيعلم أنها سحر  {ذكر ذلك الشيخ عبدالرحمن بن حسن رحمه الله في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد في باب النشرة}.
ومن الأمور
التي أوردها من قال بجواز حل السحر بسحر مثله هي قوله:
“والذين يأمرون الناس باﻹقتصار على الرقية يخالفون ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من استخراج السحر وحله.”

فنقول له :
هل ثبت لديك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل السحر بسحر مثله ؟
ﻻ. لم يثبت لديه بل ثبت في اﻷحاديث الصحيحة الثابته كما في صحيح  البخاري ومسلم -رحمهما الله- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هذا السحر بالمعوذات.
وكلام هذا المستدل تقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فلم يصح بل يثبت عنه  صلى الله عليه وسلم حل السحر بسحر مثله…
ثم نرجع إلى مسألة قول سعيد بن المسيب  “إن النشرة ﻻ بأس بها” .

أوﻻ :
حملها أهل العلم على أن المراد بها التعوذات واﻷدوية المباحة كما ذكرنا ذلك سابقا ثم
ثانيا :
إذا خالف سعيد بن المسيب أو أي عالم من العلماء خالف الكتاب والسنة فيرد قوله و ﻻ يقبل مع حفظ  منزلة هذا العالم اذا علم من حاله إرادة الحق لكن اجتهد ولم يوفق إليه
وإذا كان هناك خﻻف بين طلاب العلم  في مسألة يرجع فيها إلى كﻻم الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع قال الله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} والرجوع كذلك إلى كبار علماءالسنة. فنجد أن من أباح هذا اﻷمر إما معه دليل ﻻيصح أو معه دليل من العقل وهذا الدليل العقلي المستدل به يقابله أدلة عقلية أقوى منه. بل يقابلها أدلة الكتاب والسنة فمن أباحه ليس معه دليل من الكتاب والسنة و أدلته العقلية تقابلها أدلة عقلية أقوى من أدلته تهدم هذه اﻷدلة وتنسفها وتكشف زيفها.

أيها اﻹخوة : لو كان خيرا لسبقنا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم.
لو كان خيرا ﻷمر أمته به ووجهها إليه و ﻷرشدها إلى هذا العمل  لكن لم يأتي أمر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المشفق الناصح بأبي وأمي وروحي صلى الله عليه وسلم.

ثم أيها اﻷخوة : أن رسول الله صلي الله عليه وسلم تعرض إلى سحر فقد  سحر في مشط ومشاطه كما مر معنا، وعالج هذا السحر بالمعوذات ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أجاز الذهاب إلى السحرة أو أنه ذهب إلى ساحر، أليس هذا اضطرار ؟
نقول هذا  تنزﻻ مع قول من أباح حل السحر بسحر مثله وأنه يجوز  عند اﻹضطرار.
فنقول له :

هل ثبت عند هذا المستدل إباحة الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا العمل الشركي ؟

الجواب :

لم يثبت بل ثبت خلافه وهي الرقية باﻷذكار الشرعية بما فيها المعوذات.

ثم يضاف إلى ماسبق أيها اﻹخوة
ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : “من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.”، ومن لوازم حل النشرة السحرية الكفرية تصديق مدعي الكهانة من السحرة بما يقولون مما يلزم منه الكفر بما أنزل على محمد وما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن والسنة ومن ذلك دين اﻹسﻻم الذي ارتضاه الله لعباده ثم في حالة إتيانه لهؤﻻء السحرة في حالة عدم تصديقه لهم عدم قبول اﻷعمال الصالحة “من أتى كاهنا.. لم تقبل له صلاة أربعين يوما”

(قال أهل العلم هذا في حال عدم تصديقه لهم).

والمريض كالغريق يتعلق بالقش بسبب إرادة الشفاء والعافية ولو امروه بأمور كفرية لوافقهم بمايقولون وهذا حال بعضهم وليس كلهم  ومماسبق من احاديث تدل على عظيم خطر اﻹتيان إلى الكهنة والسحرة فإذا علم بدﻻلة الكتاب والسنة عدم فﻻح الساحر و أن أعماله السحرية كيدا وكذب {إنما عملوا كيد ساحر}
وثبت {و ﻻيفلح الساحر حيث أتى} فدل هذا اﻷمر على عدم فلاح ونجاح أعمال السحرة.

أيها اﻹخوة :

هناك قاعدة شرعية تقول ” الضرورات تبيح المحظورات” فأراد من قال بإباحة حل السحر بسحر مثله التعلق بهذه القاعدة الشرعية وأراد  تطبيق هذه القاعدة على مسألته فقال إنه يجوز الذهاب إلى السحرة اضطرارا ونقول هل ثبت يقينا أنّ الشفاء والصحة مؤكدة حينما تأتي الساحر و إنه يزيل السحر ويذهب عنك المرض نقول :

بل هي مجرد تخرصات وتكهنات وشيء في النفس لم يثبت ذلك واقعا والثابت حقيقة هو العلاج بالمعوذات فكيف يبنى على هذه المسألة اضطرار بجواز فعل محرم نسأل الله العفو والعافية وقد يترتب على إتيانه للسحرة سحر أعظم أو مرض أعظم من المرض الذي أتى به ﻷن بعض الناس يذهب إلى السحرة  يذهب إلى السحرة يقول أنا في سحر وانا مسحور وهو سليم من  السحر، فإما وساوس أو مرض أو تناوله لبعض المشروبات و المأكوﻻت المحرمة كالمخدرات ثم يتهم من حوله من الأبرياء؛
يضاف الى ما سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى التداوي بالمباح وترك التداوي بالحرام و أخبر صلى الله عليه وسلم أنه  “لم يجعل شفاء أمته في الحرام”.

وقد يترتب على الذهاب إلى السحرة فقدان المرء دينه والله سبحانه وتعالى ماخلقنا إﻻ لعبادته ومن أجل هذه العبادة وهي توحيد الله سبحانه وتعالى و هذه المسألة  (حل السحر بسحر مثله) مندرجة في مسائل تحت توحيد اﻷلوهية.

فتوحيد اﻷلوهية من أجله أرسلت الرسل و أنزلت  الكتب وقام سوق الجهاد وأرخصت اﻷرواح و هل هناك اضطرار من أجل ترك  هذا التوحيد.

وانقسم الناس فيه إلى سعداء مسلمين أهل جنة وإلى أشقياء كفار أهل نار..

و إتيان السحرة يضاد  أصل توحيد اﻷلهية كما سبق ﻷنه صرف شيء من العبادة الواجبة لله المستحقة لله سبحانه وتعالى لغيره وذلك  الساحر ﻻيحل السحر إﻻ بالتحبب إلى الشياطين بعمل الشرك وهذا ممنوع شرعا لذا أتى الشرع بسد الذرائع المفضية إلى الشرك ومنها  تحريم هذه المسألة وللعلم فإن الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى يرى حرمة هذه المسألة كما في كتابه القول المفيد شرح كتاب التوحيد.

نسأل الله لنا ولكم ولمرضانا الشفاء والعافية.
أحببنا إبداء أو إظهار أقوال علماء السنة في هذه المسألة و إيضاحها ومن باب التدارس مع إخوة لنا طلاب علم فمنهم نستفيد.

ثبتنا الله و إياكم على التوحيد والسنة ورزقنا الله وإياكم العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

——————
المصدر: رسالة صوتية
للشيخ غازي بن عوض العرماني.

قام بتفريغها : أبوعروة مفتاح العقيلي.